محمد بن الطيب الباقلاني
210
إعجاز القرآن
وقد يتبرأ الكلام المتصل بعضه من بعض ، ويظهر عليه التثبيج ( 1 ) والتباين ، للخلل الواقع في النظم . وقد تصور هذا الفصل للطفه وصلا ، ولم يبن عليه تميز الخروج . ثم انظر كيف أجرى هذا الخطاب إلى ذكر نوح ، وكيف أثنى عليه ؟ وكيف تليق صفته بالفاصلة ويتم النظم بها ، مع خروجها مخرج البروز من الكلام الأول ، إلى ذكره ، وإجرائه إلى مدحه بشكره ، وكونهم من ذريته يوجب عليهم أن يسيروا بسيرته ، وأن يستنوا بسنته ، في أن يشكروا كشكره ، ولا يتخذوا من دون الله وكيلا ، وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان ، لما ( 2 ) حملهم عليه ونجاهم فيه ، حين أهلك من عداهم به ، وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم ، فيما سلط عليهم من قبلهم وعاقبهم ، ثم عاد عليهم بالافضال والاحسان ، حتى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذي ولدهم وهم من ذريته ، فلما عادوا إلى جهالتهم ، وتمردوا في طغيانهم ، عاد عليهم بالتعذيب . / ثم ذكر الله عز وجل في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة التي كانت لهم ، بكلمات قليلة في العدد ، كثيرة الفوائد ، لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير ، والكلام الطويل . ثم لم يخل تضاعيف الكلام مما ترى من الموعظة ، على أعجب تدريج ، وأبدع تأريج ( 3 ) ، بقوله : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها ) ( 4 ) . ولم ينقطع بذلك [ نظام ] ( 5 ) الكلام ، وأنت ترى الكلام يتبدد مع اتصاله ، وينتشر مع انتظامه ، فكيف بإلقاء ما ليس منه في أثنائه ، وطرح ما يعدوه ( 6 ) في أدراجه ؟ إلى أن خرج إلى قوله : ( عسى ربكم أن يرحمكم ، وإن عدتم عدنا ) ( 7 ) يعنى : إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو .
--> ( 1 ) م : " عليه القبح " ( 2 ) م : " بما " ، ا : " ومما " ( 3 ) كذا في م ، ك ، وفى س : " تاريخ " . والتأريج : التهييج ، كما في اللسان 3 / 29 ( 4 ) سورة الإسراء : 7 ( 5 ) الزيادة من م . ومكانها بياض في ك . ( 6 ) كذا في م . وفى س ، ك : " ما بعده " ( 7 ) سورة الإسراء : 8 .